سيد محمد طنطاوي

28

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

[ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 52 إلى 60 ] كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَتَواصَوْا بِه بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّه هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( 58 ) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ ( 59 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 60 ) وقوله : * ( كَذلِكَ ) * خبر لمبتدأ محذوف . أي : الأمر كذلك ، واسم الإشارة مشار به إلى الكلام الذي سيتلوه ، إذ أن ما بعده وهو قوله : * ( ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ ) * تفسير له . أي : الأمر - أيها الرسول الكريم - كما نخبرك ، من أنه ما أتى الأقوام الذين قبل قومك من رسول يدعوهم إلى عبادتنا وطاعتنا ، إلا وقالوا له - كما قال قومك في شأنك - هو - ساحر أو مجنون . والمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من مشركي قريش ، حيث بين له - سبحانه - أن الرسل السابقين قد كذبتهم أممهم ، فصبروا حتى أتاهم نصره - سبحانه - . ثم أضاف - سبحانه - إلى هذه التسلية تسلية أخرى فقال : * ( أَتَواصَوْا بِه ) * ؟ والضمير المجرور يعود إلى القول المذكور ، والاستفهام للتعجيب من أحوالهم . أي : أوصى السابقون اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم من ربهم . أنت - أيها الرسول - ساحر أو مجنون ؟ وقوله - سبحانه - : * ( بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ) * إضراب عن تواصيهم إضراب إبطال ، لأنهم لم يجمعهم زمان واحد حتى يوصى بعضهم بعضا ، وإنما الذي جمعهم تشابه القلوب ، والالتقاء على الكفر والفسوق والعصيان .